المقريزي
43
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فأخذ اللّه من طين فصوّره * لما رأى أنه قد تم واعتدلا دعاه آدم صوتا فاستجاب له * فنفخ الروح في الجسم الذي جبلا ثمة أورثه الفردوس يسكنها * وزوجه ضلعة من جنبه جعلا لم ينهه ربه عن غير واحدة * من شجر طيب إن شم أو أكلا وكانت الحية الرقشاء إذ خلقت * كما ترى ناقة في الخلق أو جملا فلامها اللّه إذ أطغت خليفته * طول الليالي ولم يجعل لها أكلا تمشي على بطنها في الأرض ما عمرت * والترب تأكله حزنا وإن سهلا وقال الحافظ أبو الخطاب مجد الدين عمر بن دحية : ومصر أخصب بلاد اللّه وسماها اللّه بمصر وهي هذه دون غيرها بإجماع القرّاء على ترك صرفها ، وهي اسم لا ينصرف في معرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة ، واجتمع فيه التأنيث والتعريف فمنعاه الصرف ، وهي عندنا مشتقة من مصرت الشاة إذا أخذت من ضرعها اللبن فسميت : مصر لكثرة ما فيها من الخير مما ليس في غيرها فلا يخلو ساكنها من خير يدرّ عليه منها كالشاة التي ينتفع بلبنها ، وصوفها ، وولادتها . وقال ابن الأعرابيّ : المصر الوعاء ، ويقال للمعا المصير ، وجمعه مصران ومصارين ، وكذلك هي خزائن الأرض . قال أبو بصرة الغفاريّ من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مصر خزائن الأرض كلها ألا ترى إلى قول يوسف عليه السلام : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف / 55 ] فأغاث اللّه بمصر يومئذ وخزائنها كل حاضر وباد ذكره الحوفيّ في تفسيره . وقال البكري : أمّ خنور بفتح أوّله وتشديد ثانيه وبالراء المهملة اسم لمصر ، وقال أرطاة بن شهبة : يا آل ذبيان ! ذودوا عن دمائكم ، ولا تكونوا كقوم أم خنور . يقول : لا تكونوا أذلاء ينالكم من أراد ، يجب التأمل في هذه الجملة ، وهي أم خنور . قال كراع : أم خنور : النعمة ولذلك سميت مصر أم خنور لكثرة خيرها . وقال عليّ بن حمزة : سميت أم خنور لأنها يساق إليها القصار الأعمار ، ويقال للضبع : خنور وخنوز بالراء والزاي ، وقال ابن قتيبة في غرائب الحديث : ومصر الحدّ ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى فلان الدار بمصورها كلها أي بحدودها ، وقال عديّ بن زيد : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا أي حدّا . ذكر طرف من فضائل مصر ولمصر فضائل كثيرة منها : أنّ اللّه عزّ وجلّ ذكرها في كتابه العزيز بضعا وعشرين مرّة تارة بصريح الذكر وتارة إيماء . قال تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [ البقرة / 61 ] . قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في تفسيره : وجمهور الناس يقرءون مصرا بالتنوين وهو